أبي منصور الماتريدي

208

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

حبالتى ومنعتها من الأزواج . وتترك المرأة له النصف ، فتقول : لم ينظر إلى عورتي ، ولا تمتع « 1 » بي . وهو على الإفضال ، وعلى ذلك يخرج قوله تعالى : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ، [ أن يتفضل أحدهما على الآخر بترك النصف أو بإتمام الكل ، ومعنى قوله وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ] « 2 » أي لا تنسوا الفضل الذي في ابتداء الأمر ؛ لأن أمر النكاح في الابتداء مبنى على التشفع والإفضال ، فرغبهما عزّ وجل على ختم ذلك على الإفضال على ما بنى عليه . واللّه تعالى أعلم . وفيه دلالة على أن ( العفو ) هو الفضل في اللغة ، وهو البذل ، تقول العرب : عفوت لك ، أي : بذلته . فإن كان ( العفو ) هو البذل فكأن قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [ البقرة : 178 ] ، أي ترك له وبذل ، فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ [ البقرة : 178 ] ، يكون فيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم اللّه تعالى - في ذلك . وقوله تعالى : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى . معناه - واللّه أعلم - : حق على المتقى أن يرغب فيه ، وكذا قوله : حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ، أن يرغب فيه . ثم لإضافة ذلك إلى الرجال وجهان : أحدهما : لما أنهم هم الذين تركوا حقهم ، ومن عندهم جاء هذا التقصير . والثاني : أن في تسليم ذلك من الرجال الكمال ، وهم في الأصل موصوفون بالكمال ، ومن عندهم يستوفى ما فيه الكمال . قال الشيخ - رحمه اللّه تعالى - في قوله : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى : يحتمل اشتراك الزوجين في ذلك ، لا معنى الأخذ بالعفو والفضل أولى لمن يريد اتقاء دناءة الأخلاق ، أو أولى الفضل ممن أكرم باتقاء الخلاف لله تعالى . ويحتمل : الأزواج بما قد ضمنوا الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان ، فهو أقرب إلى وفاء ذلك واتقاء الخلاف له ، على أن سبب الفراق جاء منه ، فذلك أقرب لاتقاء الجفاء منهم ، وأظهر للعذر لهم فيما اختاروا . واللّه أعلم . وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . حرف وعيد عما فيه التعدي ومجاوزة الحدود « 3 » والخلاف لأمره .

--> ( 1 ) في أ : تمنع . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في ط . ( 3 ) في أ : الحد .